أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

396

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : . . . بِما يَسْتَمِعُونَ . . . . متعلق ب « أَعْلَمُ » وما كان من باب العلم والجهل في أفعل التفضيل ، وأفعل التعجب تعدى بالباء ، نحو : أنت أعلم به ، وما أعلمك به ، وهو أجهل به ، وما أجهله به ، ومن غيرهما يتعدى في البابين باللام ، نحو « أنت أكسى للفقراء » . و « ما » بمعنى الذي ، وهي عبارة عن الاستخفاف والإعراض ، فكأنه قال : نحن أعلم بالاستخفاف والاستهزاء الذي يستمعون به . قال ابن عطية . قوله : « بِهِ » فيه أوجه : أحدها أنه حال ، فيتعلق بمحذوف . قال الزمخشري : و « بِهِ » في موضع الحال ، كما تقول : يستمعون بالهزء ، أي : هازئين . الثاني : أنها بمعنى اللام ، أي بما يستمعون له . الثالث : أنها على بابها ، أي : يستمعون بقلوبهم ، أي : بظاهر أسماعهم ، قالهما أبو البقاء . الرابع : قال الحوفي : لم يقل يستمعونه ولا يستمعونك ، لما كان الغرض ليس الإخبار عن الاستماع فقط ، وكان مضمنا أنّ الاستماع كان على طريق الهزء بأن يقولوا مجنون ، أو مسحور ، جاء الاستماع بالباء وإلى ، ليعلم أن الاستماع ليس المراد به تفهم المسموع دون هذا المقصد . فعلى هذا أيضا تتعلق الباء ب « يَسْتَمِعُونَ » . قوله : إِذْ يَسْتَمِعُونَ فيه وجهان : أحدهما : أنه معمول ل « أَعْلَمُ » . قال الزمخشري : « إِذْ يَسْتَمِعُونَ » نصب ب « أَعْلَمُ » ، أي : أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون ، وبما يتناجون به ، « وَإِذْ هُمْ نَجْوى » . والثاني : أنه منصوب ب « يَسْتَمِعُونَ » الأولى . قال ابن عطية : « والعامل في « إِذْ » الأولى ، وفي المعطوف « يَسْتَمِعُونَ » الأولى » . وقال الحوفي : « ف « إِذْ » الأولى تتعلق ب « يَسْتَمِعُونَ بِهِ » ، وكذا « وَإِذْ هُمْ نَجْوى » ، لأن المعنى نحن أعلم بالذي يستمعون إليك ، وإلى قرآنك وكلامك ، إنما يستمعون لسقطك ، وتتبع عيبك ، والتماس ما يطعنون به عليك ، يعني في زعمهم ، ولهذا تعديته بالباء وإلى قوله : « نَجْوى » يجوز أن يكون مصدرا ، فيكون من إطلاق المصدر على العين مبالغة ، أو على حذف مضاف ، أي : ذوو نجوى ، كما قال الزمخشري : ويجوز أن يكون جمع نجي ك « قتلى » قاله أبو البقاء . قوله : إِذْ يَقُولُ بدل من « إِذْ » الأولى في أحد القولين ، والقول الآخر أنها معمولة ل « اذكر » مقدرا . قوله : مَسْحُوراً ، الظاهر أنه اسم مفعول من السّحر ، بكسر السين ، أي : مخبول العقل ، أو مخدوعا . وقال أبو عبيدة : « معناه : أن له سحرا ، أي : رئة » . بمعنى : أنه لا يستغني عن الطّعام والشّراب ، فهو بشر مثلكم ، وتقول العرب للجبان : « قد انتفخ سحره » بفتح السين ، ولكلّ من أكل وشرب مسحور ، فمن الأول قول امرئ القيس : 3101 - أرانا موضعين لأمر غيب * ونسحر بالطّعام وبالشّراب « 1 » أي : نغذّى ونعلّل . ومن الثاني قول لبيد :

--> ( 1 ) تقدم .